محمد رأفت سعيد
326
تاريخ نزول القرآن الكريم
الشديد إن لم يتداركوا أنفسهم بالتوبة الصادقة النصوح والإيمان الصحيح وما يتبعه من عمل صالح فإن تداركوا أنفسهم بذلك وجدوا رحمة الله واسعة ، ووجدوا أنفسهم في جنات عدن وعدا من الله سبحانه لا يتخلف وهذا ما وعد الله به عباده المتقين قال جل شأنه : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ( 59 ) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ( 60 ) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ( 61 ) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 62 ) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا ( 63 ) . وبعد ذكر الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وما ذكر من وعيدهم ، وفتح الباب أمامهم كي يتوبوا ويؤمنوا ويعملوا صالحا ؛ ليجدوا رحمة الله ونعيمه في جنات عدن . بعد ذلك نجد الآيات الكريمة تضع الناس أمام مجموعة من الحقائق منها : أن نزول الوحي على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم إنما يكون بأمر الله سبحانه في الوقت الذي يريد وبالأمر الذي يريد سبحانه ، ومنها : ارتباط هذا التنزيل بما وصف الله سبحانه به نفسه ، فله الأمر كله ماضيا وحاضرا ومستقبلا في الزمان والمكان ، وأنه سبحانه لا ينسى شيئا ، وهو ربّ السماوات والأرض وما بينهما خلقا وتدبيرا ، وهو وحده المستحق للعبادة ، والعبادة تحتاج إلى صبر ومجاهدة ، وليس لله سبحانه نظير حتى يشاركه في العبادة . ومع هذه الحقائق التي تملأ قلب الإنسان يقينا في قدرة الخالق الرازق الذي بيده ملكوت كل شئ لا يستكثر الإنسان أن يخرج حيا بعد الموت ، وقد خلق من قبل ولم يك شيئا أصلا فإعادته بعد أن صار شيئا أيسر وأسهل في حساباته العقلية . فإذا لم يفد الإنسان من هذه الآيات الباهرات فأمامه من الوعيد الشديد حيث يحضر جاثيا على ركبتيه من شدة الهول وسينزع من كل طائفة وفرقة من الظالمين أشدهم ظلما فهم قادة الظلم والكفر في الدنيا ، والمقدّمون إلى العذاب يوم القيامة ، وينجى الله الذين اتقوا من هذا العذاب . « 1 » تبسط هذه الحقائق في قوله تعالى : وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ( 64 ) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ( 65 ) وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ( 66 ) أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ( 67 ) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ( 68 ) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ( 69 ) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ
--> ( 1 ) القرطبي 11 / 128 ، وفتح القدير 3 / 345 .